
في مشهد يبعث على القلق، تتواصل معاناة العمال في موريتانيا وسط صمت نقابي يكاد يكون تواطؤًا غير معلن، أو عجزًا فاضحًا عن أداء أبسط الأدوار التي وجدت من أجلها الهيئات النقابية.
فبدل أن تكون هذه الهيئات حصنًا منيعًا للدفاع عن حقوق الشغيلة، تحولت في كثير من الأحيان إلى كيانات شكلية، عاجزة عن كبح جماح الانتهاكات المزمنة التي يتعرض لها العمال، بل وغائبة تمامًا عن ساحات المواجهة الحقيقية.
من الاستغلال الصريح، إلى العمل خارج الأطر القانونية، مرورًا باقتطاع الرواتب دون مبرر، والتمييز بمختلف أشكاله، وصولًا إلى الفصل التعسفي، تتعدد أوجه المعاناة التي يعيشها العامل الموريتاني، في ظل غياب شبه تام لأي تدخل نقابي فعال.
ولعل الأخطر من ذلك أن هذه الانتهاكات لا تقتصر على القطاع الخاص، بل تمتد إلى مؤسسات الدولة نفسها، حيث يفترض أن تكون القوانين أكثر صرامة والرقابة أشد حضورًا.
في هذه المؤسسات، يُترك العامل لمصيره في بيئة لا تحترم الحد الأدنى من الحقوق المنصوص عليها في مدونة الشغل، ولا تُعير اهتمامًا للاتفاقيات الجماعية أو الدولية التي صادقت عليها موريتانيا والتي دخلت حيز التنفيذ منذ زمن بعيد.
وتزداد الصورة قتامة حين تتولى إدارة هذه المؤسسات نخب تفتقر إلى الحد الأدنى من الوعي القانوني، أو تتجاهله عمدًا، معتبرة أن مواقعها ليست مسؤوليات تُؤدى، بل امتيازات تُستثمر، غالبًا على أسس سياسية أو قبلية أو جهوية.
إن ثقافة التشغيل القائمة على الولاءات الضيقة والمحسوبية تمثل أحد أبرز معوقات تحقيق العدالة في سوق العمل.
فالمناصب تُحجز وتُورث، والأسماء تتكرر، والكفاءة تُقصى، في انتهاك صارخ لمبدأ تكافؤ الفرص.
ومع غياب المحاسبة واستشراء الفساد، يصبح استغلال العمال سلوكًا مألوفًا، بل ومحمياً ضمنيًا.
أما النقابات، التي كان يُفترض أن تقف في وجه هذا الانحدار، فقد غرقت منذ نشأتها في تعقيدات المشهد السياسي والاجتماعي، لتفقد تدريجيًا استقلاليتها ودورها النضالي.
فالتعددية النقابية، التي أُعلن عنها كخطوة نحو تعزيز الحريات، تحولت إلى مجرد تكاثر شكلي لكيانات تفتقر إلى الفعالية، وتتشابه في ضعفها وارتهانها.
لقد بدت العديد من المركزيات النقابية أقرب إلى واجهات سياسية منها إلى هيئات اجتماعية، منشغلة بالصراعات والتموقعات، بدل الانخراط الجاد في الدفاع عن حقوق العمال.
وحتى مع اعتماد نظام النسبية، الذي اعتبره البعض محاولة لتنظيم المشهد النقابي، فإن الواقع لم يشهد تحسنًا ملموسًا، بل ربما زاد من تعقيد المشهد دون معالجة جوهر الأزمة.
إن استمرار هذا الوضع يطرح تساؤلات جدية حول جدوى وجود هذه الهيئات، ويستدعي مراجعة شاملة لدورها وبنيتها.
كما يضع الدولة أمام مسؤولياتها في حماية حقوق الشغيلة، ليس فقط من تعسف أرباب العمل، بل أيضًا من تقاعس أو تسييس النقابات.
ومهما يكن من أمر، فإن العامل الموريتاني لا يحتاج إلى شعارات، بل إلى تمثيل حقيقي، ونقابات تمتلك الإرادة والقدرة على المواجهة، وتضع كرامته وحقوقه فوق كل اعتبار.
دون ذلك، سيظل الحديث عن العدالة الاجتماعية مجرد خطاب أجوف، في واقع يزداد قسوة يومًا بعد يوم.
مولاي الحسن مولاي عبد القادر



















