
ليست موريتانيا اليوم أمام أزمة سياسية عابرة، ولا أمام اختلال اقتصادي يمكن علاجه بقرار حكومي أو برنامج اجتماعي محدود.
ما تعيشه البلاد أعمق من ذلك بكثير؛ إنها أزمة إصلاح دولة في مفهومها ووظيفتها، وأزمة عدالة في توزيع الفرص والثروة والنفوذ، وأزمة أخلاقية تتعلق بالسؤال الأكبر، لمن وُجدت الدولة؟ ومن أجل من تُدار؟
منذ إعلان الدولة الحديثة، ظل المواطن الموريتاني يسمع الخطاب نفسه، على أنها دولة القانون، والعدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، ومحاربة الفقر، وتمكين الشباب، وإشراك المرأة، ومحاربة الفساد، وتحقيق التنمية.
لكن بعد عقود طويلة، ما يزال جزء كبير من الشعب يبحث عن أبسط حقوقه، في وظيفة تحفظ كرامته، ومستشفى يعالجه، ومدرسة تمنح أبناءه أملاً، وماء صالح للشرب، وطريق يربطه ببقية البلاد، ودخل يكفيه حتى نهاية الشهر.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً: كيف يمكن لدولة غنية بالثروات والإمكانات أن يبقى فيها الفقر بهذا الاتساع، وأن تظل الخدمات الأساسية بهذا الضعف، وأن يشعر المواطن بأن نصيبه من الدولة أقل بكثير من نصيب أصحاب النفوذ؟
دولة الموارد... ومجتمع الفقر
موريتانيا ليست بلداً بلا موارد، لديها الحديد والذهب والثروة السمكية والغاز، إضافة إلى الثروة الحيوانية والأراضي الزراعية والموقع الجغرافي المهم، فضلاً عن إمكانات هائلة في الطاقة المتجددة.
ومع ذلك، لا تزال قطاعات واسعة من المواطنين تعاني الفقر والبطالة وارتفاع الأسعار وضعف الخدمات الصحية والتعليمية.
المشكلة، إذن، ليست في غياب الموارد وحده، وإنما في كيفية إدارة هذه الموارد ومن يستفيد منها وكيف توزع عوائدها.
فحين لا تتحول الثروة الوطنية إلى مستشفى ومدرسة وطريق وماء وكهرباء وفرصة عمل، فإن الحديث عن التنمية يصبح مجرد خطاب رسمي يتكرر في المناسبات، بينما يعيش المواطن واقعاً مختلفاً تماماً.
أزمة تكافؤ الفرص
ربما تكون أخطر مشكلات الدولة الموريتانية هي تراجع الإيمان الشعبي بأن الفرص متاحة للجميع على قدم المساواة.
وعندما يعتقد المواطن أن الوظيفة تحتاج إلى واسطة، وأن الترقية تحتاج إلى سند، وأن المشروع يحتاج إلى نافذ، وأن الوصول إلى مركز القرار مرتبط بالعلاقات الاجتماعية والقبلية، فإن الدولة تفقد أهم عناصر شرعيتها الأخلاقية في العدالة.
ولا يكفي أن تقول الدولة إن القانون واحد على الجميع؛ فالعدالة لا تُقاس بالنصوص فقط، وإنما بما يراه المواطن في حياته اليومية.
إذا كان ابن المسؤول أو صاحب النفوذ يجد الطريق مفتوحاً، بينما يقضي شاب متعلم سنوات يبحث عن فرصة، فإن المشكلة لم تعد اقتصادية فقط، بل أصبحت مشكلة إقصاء، وثقة بين المواطن والدولة.
توريث النفوذ... وتجمد النخبة
ولعل من أكثر الظواهر إثارة للقلق استمرار أسماء وشخصيات وعائلات في دوائر النفوذ العام على امتداد عقود، بحيث يبدو المشهد السياسي والإداري في بعض الأحيان وكأنه دائرة مغلقة تعيد إنتاج نفسها.
فالمشكلة ليست في أن ينتمي شخص إلى عائلة خدمت الدولة، ولا في أن يتولى ابن أو قريب مسؤولاً إذا كان مؤهلاً، بل إن المشكلة تبدأ عندما تتحول الدولة إلى امتياز عائلي أو اجتماعي متوارث، وعندما يصبح تداول المناصب بين مجموعة محدودة من الأسماء أكثر سهولة من فتح المجال أمام أجيال جديدة.
وبعد قرابة سبعة عقود من قيام الدولة، من غير الطبيعي أن تبقى النخبة التي واكبت المراحل الأولى للتأسيس حاضرة بالثقل نفسه في كل مفاصل الحياة العامة، بينما تقف أجيال، وجيل كامل من الشباب خارج الباب ينتظر دوره.
فالدولة ليست ملكاً لجيل معين، ولا يجوز أن تتحول الخبرة إلى ذريعة دائمة لمنع التجديد، فالخبرة قيمة، لكنها تصبح عبئاً عندما تتحول إلى احتكار، وبلد لا يتقاعد فيه أصحاب النفوذ يشيخ مبكرا.
ومن المفارقات المؤلمة أن الحديث عن تمكين الشباب أصبح جزءاً ثابتاً من الخطاب الرسمي والسياسي الذي يتم تلحينه، بينما يكشف الواقع أحياناً عن عكس ذلك.
ففي العديد من الفعاليات التي يفترض أن تكون مخصصة للشباب، يظهر الشباب في الصفوف الخلفية، بينما تحتل الوجوه القديمة الواجهة ومقاعد القرار، وكأن الشباب مطلوب منهم التصفيق للمستقبل، لا المشاركة في صناعته.
والمشكلة ليست في عمر الشخص بحد ذاته، وإنما في غياب التداول الحقيقي للمسؤولية.
هناك فرق بين أن يستمر رجل الدولة في تقديم خبرته، وبين أن يظل متمسكاً بالموقع نفسه جيلاً بعد جيل، حتى يصبح التقاعد وكأنه عقوبة، وتجديد النخب وكأنه تهديد.
إن الدولة التي لا تفتح الطريق أمام شبابها تحكم على نفسها بالشيخوخة قبل أن تشيخ.
المرأة... الحاضر الغائب
الأمر ذاته ينطبق على المرأة، فكلما تحدث الخطاب السياسي عن المشاركة النسائية وتمكين المرأة، عاد الواقع ليطرح السؤال نفسه: أين هي المرأة من مواقع القرار الحقيقية؟
وحتى في بعض الفعاليات التي تحمل عناوين نسائية أو شبابية، يمكن ملاحظة حضور رجال، وأحياناً رجال متقدمين في السن، بأعداد تفوق النساء أنفسهن.
إذا كانت المرأة تشكل نصف المجتمع تقريباً، فإن إبقاءها في هامش القرار يعني عملياً تعطيل نصف طاقة المجتمع.
إن تمكين المرأة لا يكون بإدراج اسم أو اسمين في لائحة، ولا بصورة تذكارية في مناسبة، وإنما بمنحها فرصة حقيقية في الإدارة والسياسة والاقتصاد ومواقع صناعة القرار.
الفساد... حين تتحول الدولة إلى غنيمة
الفساد ليس مجرد اختلاس مالي، فالفساد يبدأ عندما تصبح الوظيفة العامة غنيمة، والصفقة فرصة للإثراء، والمشروع وسيلة للعمولة، والتعيين مكافأة للولاء، والامتياز حقاً مكتسباً لمن يملك النفوذ.
وعندما ينتشر هذا المنطق، تصبح الدولة نفسها ميداناً لتوزيع المصالح.
وهنا تكمن خطورة ما يسمى بالتدوير إذا تحول من آلية إدارية إلى وسيلة لإعادة توزيع المواقع بعيداً عن المحاسبة.
إن المشكلة ليست في تدوير المسؤولين في حد ذاته، بل في أن يكون التغيير بديلاً عن المساءلة، فالتدوير لا ينبغي أن يكون بديلاً عن الحساب.
فإذا أخطأ مسؤول، ثم غادر منصبه إلى منصب آخر، دون أن يعرف المواطن ماذا حدث في عهده، فماذا بقي من معنى المسؤولية؟
إن الإفلات من العقاب يقتل الدولة ببطء، ولا يمكن بناء دولة قوية دون محاسبة حقيقية، وليس المطلوب التشهير بالناس أو الانتقام السياسي منهم، وإنما تطبيق قاعدة بسيطة، أن من تولى المال العام أو السلطة العامة يجب أن يكون مستعداً لتقديم الحساب، حول، من أين جاءت الثروة؟، وكيف مُنحت الصفقة؟، ولماذا مُنحت الوظيفة؟، وكيف نُفذ المشروع؟، وأين ذهبت الأموال؟، ولماذا فشل البرنامج؟، هذه الأسئلة ليست عداءً للمسؤولين، وإنما هي جوهر الدولة الحديثة.
أما أن يصبح الفساد شائعة يعرفها الجميع ولا يستطيع أحد إثباتها أو محاسبة أصحابها، فهذه أخطر مرحلة يمكن أن تصل إليها الدولة.
حين تصبح الهوية بديلاً عن المواطنة
لا يمكن تجاهل أثر البنية القبلية والاجتماعية في الحياة العامة الموريتانية.
فالقبيلة في حد ذاتها واقع اجتماعي، لكن الخطر يبدأ عندما تتحول إلى معيار لتوزيع الوظائف والامتيازات والمناصب.
وحين يصبح السؤال: "من أي مجموعة أنت؟، أهم من المؤهلات، فإن الدولة تتراجع لحساب العصبية.
إن الدولة الحديثة يفترض أن تنقل المواطن من منطق الجماعة إلى منطق المواطنة.
أما إذا ظل المواطن يشعر بأن حظه في الدولة يتحدد بحسب اسمه وعلاقاته وانتمائه الاجتماعي، فإن مفهوم الدولة نفسه يصبح موضع شك.
لكل وظيفة سؤال... ولكل ثروة قصة
في المجتمع الموريتاني تنتشر أحاديث كثيرة عن مصادر الثروات والوظائف والصفقات والنفوذ.
وقد يكون بعضها صحيحاً، وبعضها مبالغاً فيه، وبعضها مجرد إشاعات، لكن مجرد انتشار هذا النوع من الحديث على نطاق واسع يكشف عن مشكلة أكبر وأزمة ثقة.
حين لا يثق الناس في شفافية التعيينات والمناقصات والصفقات، يبدأ المجتمع في صناعة رواياته الخاصة.
وحين تصبح الثروة المفاجئة مثار تساؤل دائم، والوظيفة الحكومية محل استغراب، والصفقة العامة مرتبطة في أذهان الناس باسم أو نفوذ، فإن الدولة مطالبة ليس فقط بمحاربة الفساد، وإنما بإظهار الحقائق، لأن الشفافية هي التي تقتل الشائعة، لا البيانات العامة.
المال العام ليس تركة عائلية
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة هو أن يتعامل بعض المتنفذين مع المال العام وكأنه ملكية قابلة للتقاسم.
تتغير الأنظمة، وتتغير الحكومات، وتتغير الشعارات، لكن إذا ظلت الشبكات نفسها قادرة على التكيف مع كل مرحلة، فإن المشكلة ليست في نظام سياسي بعينه، وإنما في بنية عميقة لإنتاج النفوذ والاستفادة من الدولة.
كل مرحلة سياسية يمكن أن تفرز رجال أعمال جدداً، وموظفين جدداً، ومستفيدين جدداً، لكن السؤال الحقيقي هو: هل تغيرت قواعد اللعبة؟، أم أن اللاعبين فقط هم الذين تغيروا؟
إعادة تأسيس العقد الوطني
موريتانيا لا تحتاج فقط إلى حوار، ولا تحتاج حكومة جديدة، ولا تحتاج إلى تعديل قانون أو إطلاق برنامج اقتصادي جديد، إنها تحتاج إلى إعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة.
نحتاج إلى دولة يشعر فيها المواطن أن اسمه موجود فعلاً في سجلاتها، وأن حقوقه لا تحتاج إلى وسيط، وأن مستقبله لا يتوقف على قبيلة أو أسرة أو مسؤول.
نحتاج إلى دولة تكون فيها الوظيفة للكفاءة، والصفقة للقانون، والثروة للعمل، والمناصب للمستحقين، والمحاسبة للجميع.
نحتاج إلى دولة لا يخاف فيها المسؤول من القانون، ولا يخاف فيها المواطن من المسؤول.
الإصلاح يبدأ بكسر احتكار النخبة
لا يمكن إصلاح موريتانيا بنفس الأدوات التي أنتجت أزماتها، ولا يمكن تجديد الدولة بعقلية تخشى التجديد.
إن الإصلاح الحقيقي يتطلب فتح المجال أمام جيل جديد من الكفاءات، وتمكين الشباب، وإشراك المرأة بصورة حقيقية، وتعزيز استقلال المؤسسات الرقابية والقضائية، ونشر المعلومات المتعلقة بالمال العام، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإعادة النظر في آليات التعيين والترقية، ومحاربة تضارب المصالح، وتجفيف منابع الزبونية السياسية، والأهم من ذلك كله، إعادة الاعتبار لمبدأ المواطنة.
فالبلد لا يمكن أن يستمر طويلاً إذا كان المواطن يشعر أن الدولة ملك لمجموعة، وأن بقية الشعب مجرد جمهور.
موريتانيا لا ينقصها الرجال... بل ينقصها النظام
ربما يكون من الظلم القول إن موريتانيا تفتقر إلى الكفاءات، وفي البلاد آلاف الشباب والأكاديميين والأطباء والمهندسين والإداريين والاقتصاديين ورجال الأعمال والنساء القادرات على تحمل المسؤولية.
لكن المشكلة أن كثيراً من هذه الطاقات لا تجد طريقها إلى القرار، وهنا تكمن المفارقة، بلد فقير في توزيع الفرص، رغم غناه بالطاقات البشرية.
لقد آن الأوان لكي يصبح معيار الوصول إلى الدولة هو الكفاءة والنزاهة، لا الاسم والقرابة والنفوذ.
آن الأوان لكي تكون الدولة بيتاً لكل أبنائها، لا ساحة تتناوب عليها شبكات المصالح.
فموريتانيا لا تحتاج إلى إعادة كتابة تاريخها، وإنما تحتاج إلى إعادة كتابة قواعد مستقبلها.
والدولة التي لا يشعر المواطن أنها دولته، ستظل عاجزة عن بناء مجتمع يشعر بالانتماء إليها.
ومهما يكن من أمر، فإن المعركة الحقيقية اليوم ليست مع حكومة أو وزير أو مسؤول بعينه، وإنما مع منظومة كاملة من الممارسات التي جعلت النفوذ امتيازاً، والمال العام مجالاً للتنافس، والوظيفة العامة مكافأة، والشباب مؤجلاً، والمرأة مهمشة، والمحاسبة انتقائية.
لقد حان الوقت للانتقال من دولة الأشخاص إلى دولة المؤسسات، ومن دولة الامتيازات إلى دولة الحقوق، ومن دولة العلاقات إلى دولة القانون، ما قد يتطلب إعادة تأسيس الدولة، وأن يكون عقدها الوطني عقد لا يكون فيه أحد فوق الدولة، ولا يكون فيه مواطن خارج حساباتها، وما لم يجد كل مواطن اسمه ضمن قوائم الحقوق والفرص والخدمات، فستظل الدولة موجودة على الورق، ويظل المواطن يبحث عن وطنه العالق بين وفرة الموارد وأزمة الإصلاح...!
مولاي الحسن مولاي عبد القادر



















