
لم تكن مظاهر الخلل في إدارة الموارد العمومية في موريتانيا وليدة اللحظة، بل هي امتداد لتراكمات بدأت منذ عقود، حين تحولت بعض الآليات المفترضة لتحقيق العدالة إلى أدوات لإعادة إنتاج الامتيازات وتكريس الزبونية.
فمنذ أواخر التسعينات، برزت ممارسات صادمة، كان أبرزها الاستيلاء على مئات القطع الأرضية المشرعة لصالح نافذين ومقربين، في وقت حُرم فيه المستحقون الحقيقيون، وخاصة الفئات الهشة، من أبسط حقوقهم في السكن الكريم.
لم يكن ذلك سوى وجه من وجوه اختلال أعمق، حيث جرى الالتفاف على برامج دعم الشباب عبر إدراج مستفيدين لا تنطبق عليهم المعايير، فاختلطت فئة العاطلين الحقيقيين بتجار ميسورين ومسنين لا علاقة لهم بمفهوم “حملة الشهادات”.
ومع مرور الوقت، لم تكتفِ هذه الفئة بالحصول على قروض ميسرة، بل عادت للاستفادة منها مرات متعددة، وتوسعت الامتيازات لتشمل نقاط بيع المياه ووظائف شكلية توفر دخلاً دون عمل، في مشهد يُقصي الكفاءات الحقيقية ويدفع الشباب نحو الهجرة أو الانكفاء.
أما في المجال الريفي، فقد تحولت مشاريع التنمية، من سدود ومحميات ونقاط مياه، إلى امتدادات لنفوذ الأفراد بدل أن تكون أدوات لخدمة المجموعات المستهدفة.
فباتت هذه المشاريع تُنسب لأشخاص بعينهم، وتُوزع وفق اعتبارات سياسية وشخصية، لا وفق معايير تنموية عادلة، ما عمّق معاناة السكان ودفعهم نحو النزوح بحثاً عن الحد الأدنى من مقومات الحياة.
وفي العاصمة، تتجلى المفارقة بشكل أكثر وضوحاً، حيث يتحول الإشراف على توزيع المساعدات إلى ساحة تنافس محموم بين بعض المسؤولين، لا بدافع خدمة المحتاجين، بل سعياً للسيطرة على الموارد وتوجيهها. ويزداد المشهد قتامة حين يصبح التاجر أكثر اطلاعاً على مخزون المؤسسات من مسؤوليها، بينما تبقى الفئات الهشة آخر من يعلم.
هذه الممارسات ليست حوادث معزولة، بل تعبير عن ثقافة مترسخة تُدار تحت شعارات براقة كـ“العدالة” و“تكافؤ الفرص”، بينما تُفرغ هذه المفاهيم من مضمونها الحقيقي. فقد شهدت البلاد حالات تزوير واسعة في الملكيات، واستيلاء على ممتلكات عامة وخاصة، والتلاعب بصناديق التمويل والضمان، دون أن تُقابل هذه الانتهاكات بردع حقيقي، حتى أصبحت أقرب إلى “الاعتيادي” في الوعي العام.
واليوم، ومع الإعلان عن برامج جديدة للدعم الاجتماعي، يتجدد القلق من إعادة إنتاج نفس السيناريو، حيث يتحول التنافس على الإشراف إلى وسيلة للتحكم في الموارد، وقطع الطريق أمام وصولها إلى مستحقيها. وإذا استمر النهج ذاته، فإن النتيجة لن تكون مختلفة: موارد تُهدر، وثقة تتآكل، وفجوة تتسع بين الدولة ومواطنيها.
إن أخطر ما في هذا الواقع ليس حجم الفساد فحسب، بل اعتياده وتطبيعه، حتى بات يُستقبل باللامبالاة، وكأنه قدر لا مفر منه. غير أن كسر هذه الحلقة يبدأ بالاعتراف بالمشكلة، وفرض الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإعادة الاعتبار لمفهوم العدالة بوصفه ممارسة فعلية لا شعاراً يُرفع لتبرير الاختلالات.
مولاي الحسن مولاي عبد القادر




















