الرقابة على الامتحانات بجامعة نواكشوط.. حين تتحول الحرمات الأكاديمية إلى ساحة للعبث والمحسوبية

سبت, 05/02/2026 - 13:04

لم تعد أزمة التعليم العالي في موريتانيا مجرد نقاش نظري حول جودة التعليم أو محدودية الوسائل، بل تجاوزت ذلك إلى ممارسات تمس صميم العملية الأكاديمية وتضرب في العمق مصداقية الشهادات الجامعية.

ولعل أخطر تجليات هذا الانحدار ما يجري اليوم داخل جامعة نواكشوط من عبث واضح في ملف الرقابة على الامتحانات، حيث تحولت هذه المهمة الحساسة من مسؤولية أكاديمية إلى نشاط مفتوح لكل من هب ودب.
من البديهي في أي مؤسسة جامعية محترمة أن تُسند مهمة الرقابة على الامتحانات إلى الأساتذة والكوادر الأكاديمية، بمن فيهم الأساتذة المتعاونون، باعتبارهم الأقدر على فهم طبيعة الامتحان وضبط سيره وضمان نزاهته.

غير أن ما يحدث في جامعة نواكشوط ينسف هذا المبدأ من أساسه، إذ أصبحت الشؤون الأكاديمية تمنح هذه المهمة لعمال إداريين، وحراس، بل وحتى لعناصر من البوابات، في مشهد يختزل حجم التسيب الذي وصلت إليه المنظومة.
الأمر لا يقف عند هذا الحد، بل يتجاوزه إلى ما هو أكثر خطورة، حيث يتم السماح أحيانًا لأشخاص من خارج الجامعة، بل وحتى لأفراد وأسر، بالمشاركة في الرقابة على الامتحانات.

أي منطق هذا الذي يبيح تحويل امتحانات جامعية إلى نشاط عائلي؟ وأي احترام بقي لمفهوم المؤسسة الأكاديمية حين يُفتح الباب أمام الغرباء لممارسة أدوار يفترض أنها محصورة في نخبة علمية مؤهلة؟
الفوضى لم تمر دون احتجاج
فقد عبر عدد من الأساتذة المتعاونين عن استيائهم الشديد من هذه الممارسات، وقدموا أدلة موثقة خلال سنة 2023 تُظهر إدراج أسماء حراس ضمن لوائح المراقبة.
يومها، تعهد رئيس الجامعة السابق باتخاذ إجراءات صارمة لوضع حد لهذه المهزلة.
لكن، وكما هو معتاد، بقيت تلك التعهدات حبرًا على ورق، لتستمر الظاهرة وكأن شيئًا لم يكن.
الواقع أن ما يحكم عملية توزيع مهام الرقابة اليوم ليس الكفاءة ولا الصفة الأكاديمية، بل شبكة معقدة من الزبونية والمحسوبية والوساطات.
في هذا المناخ، تُمنح الفرص بناءً على القرابة والانتماءات، بينما يُقصى من يستحقونها فعلاً، وفي مقدمتهم الأساتذة المتعاونون الذين يعانون أصلاً من هشاشة أوضاعهم المهنية وغياب الترسيم.
هؤلاء الأساتذة، الذين ينظرون إلى مهام الرقابة كفرصة لتعويض جزء يسير من حقوقهم الضائعة، يجدون أنفسهم أمام جدار من الإقصاء غير المبرر، في وقت تُوزع فيه هذه المهام على غير المؤهلين.
إنها مفارقة صارخة تعكس اختلالًا عميقًا في سلم القيم داخل الجامعة.
إن استمرار هذه الظاهرة لا يشكل فقط إهانة للأسرة الأكاديمية، بل يمثل تهديدًا مباشرًا لنزاهة الامتحانات ولمصداقية الشهادات الجامعية.

فكيف يمكن الوثوق بنتائج امتحانات يشرف عليها أشخاص لا يمتلكون الحد الأدنى من التأهيل الأكاديمي؟ وكيف يمكن الحديث عن إصلاح التعليم في ظل هذا الاستهتار؟
المسؤولية هنا لا تقع على عاتق الشؤون الأكاديمية وحدها، بل تمتد إلى رئاسة الجامعة التي اختارت الصمت، أو التغاضي، في أحسن الأحوال.

هذا الصمت لم يعد مبررًا، بل أصبح شراكة ضمنية في تكريس الفوضى.
ومهما يكن من أمر، فإن ما تحتاجه جامعة نواكشوط اليوم ليس مجرد تعهدات جديدة، بل قرارات حازمة تعيد الاعتبار للمعايير الأكاديمية، وتضع حدًا نهائيًا لهذه الممارسات التي أفرغت الرقابة على الامتحانات من مضمونها.
فإما أن تكون الجامعة فضاءً للعلم والانضباط، أو تتحول إلى مؤسسة بلا روح، تُدار بمنطق العلاقات بدل الكفاءة.
وفي ظل هذا الواقع، يبقى السؤال المؤلم مطروحًا، من يحمي ما تبقى من هيبة الجامعة؟

مولاي الحسن مولاي عبد القادر