
لم تعد ظاهرة الشهادات المزورة مجرد حالات معزولة يتم تداولها همسا داخل المكاتب والإدارات، بل تحولت إلى واحدة من أخطر الأزمات التي تضرب مصداقية الدولة وهيبة الوظيفة العمومية، بعدما نجح أصحاب شهادات مشبوهة أو صادرة عن مؤسسات غير معترف بها في التسلل إلى مفاصل حساسة داخل الإدارة، بل والوصول أحيانا إلى حقائب وزارية ومناصب سامية يفترض أنها لا تُمنح إلا لأصحاب الكفاءة والخبرة والاستحقاق الحقيقي.
لقد أصبح من المؤلم أن يرى أطر وموظفون أفنوا أعمارهم في الدراسة والتكوين والعمل الميداني، يتنقلون لعقود بين الوظائف والمسؤوليات قبل أن يغادروا إلى التقاعد دون أن ينالوا فرصتهم الحقيقية، بينما يقفز آخرون إلى أعلى المناصب بقدرة “شهادات سحرية” لا يعرف أحد حقيقتها، ولا طبيعة المؤسسات التي منحتها، ولا حتى المستوى العلمي الحقيقي لحامليها.
والأخطر من ذلك أن بعض المؤسسات التعليمية المشبوهة في الخارج تحولت إلى مصانع لإغراق الإدارة بأشخاص يفتقدون الحد الأدنى من التأهيل، ومع ذلك احتلوا مساحة واسعة من التعيينات والترقيات، مستفيدين من غياب التدقيق الجاد، وضعف الرقابة، وربما أحيانا من الحماية والنفوذ والعلاقات الخاصة.
وتزداد حساسية هذا الملف حين تتحول قصص التزوير إلى مادة يومية للتنكيت والسخرية بين المواطنين، بعدما أصبحت الوقائع المتداولة أقرب إلى الروايات العبثية والغريبة منها إلى القصص الواقعية.
فكيف يمكن للرأي العام أن يقتنع بجدية بعض الشهادات، وهو يسمع عن مسؤولين، درسوا في فرنسا ثم يعجزون عن التحدث باللغة الفرنسية؟ وبينهم وزير أول سابق اعتذر لرئيسه عن تصريح لإحدى وسائل الإعلام الفرنسية، لأنه لا يجيد اللغة!.
وكيف يمكن تفسير حالة “أستاذ كبير” سبق أن عين مديرا، وقُدم للرأي العام باعتباره مرجعا وطنيا في تخصصه، قبل أن يُكتشف أنه لا يجيد لغة الدراسة التي تخرج بها، فيضطر إلى الاستعانة بأستاذ فرنسية من أقاربه؟
أما القصص المتعلقة بسفراء وموظفين بشهادات مزورة، أو بأسماء متوفين، أو قصص عن شهادات يتم شراؤها وتدويرها بين الإدارات، فقد أصبحت جزءا من حديث الشارع، في ظل صمت رسمي يثير الكثير من علامات الاستفهام، ويمنح الانطباع بأن الملف أكبر من مجرد تجاوزات فردية.
إن تجاهل السلطات العليا لهذه الظاهرة الخطيرة لا يعني اختفاءها، بل يمنحها مزيدا من التمدد داخل مفاصل الدولة. فحين يفقد المواطن ثقته في كفاءة المسؤول، وفي نزاهة معايير التعيين، يصبح الحديث عن الإصلاح والحوكمة ومحاربة الفساد مجرد شعارات بلا معنى.
إن أخطر ما في الشهادات المزورة ليس فقط أنها تفتح الباب أمام غير الأكفاء، بل إنها تقتل روح العدالة داخل المجتمع، وتحطم معنويات أصحاب الكفاءات الحقيقية، وتدفع الشباب إلى اليأس من قيمة الاجتهاد والعمل الجاد، حين يرون أن بعض المناصب تُحسم بالعلاقات والتزوير لا بالكفاءة والاستحقاق.
واليوم، لم يعد المطلوب مجرد بيانات عابرة أو لجان شكلية، بل قرار سياسي شجاع يفرض مراجعة شاملة لكل الشهادات التي على أساسها تم الولوج إلى المناصب الحساسة، مع فتح تحقيقات شفافة تكشف للرأي العام حقيقة ما يُتداول منذ سنوات.
ومهما يكم من أمر، فإن الدولة التي تحترم نفسها لا يمكن أن تسمح باستمرار العبث بمؤسساتها، ولا أن تظل رهينة لأشخاص بنوا مساراتهم المهنية على الغش والتدليس.
ويبقى السؤال الذي يطرحه الشارع بإلحاح: متى تتحرك السلطات العليا لوضع حد لقنبلة تهدد الإدارة وتنسف مبدأ الكفاءة.
مولاي الحسن مولاي عبد القادر




















