
على امتداد السنوات الأخيرة، ظل شعار "إصلاح وتمهين الحقل الإعلامي" يتردد في الخطاب الرسمي باعتباره مدخلاً لبناء إعلام مهني ومستقل وعادل.
غير أن واقع الممارسة يكشف، في نظر كثير من المهنيين، عن مفارقة كبيرة بين الشعارات المعلنة والنتائج المحققة، إذ لم تؤد السياسات المتبعة إلى إصلاح الاختلالات المزمنة، بل ساهمت في تكريسها، ورسخت هيمنة الأسماء والجهات المستفيدة من الوضع القائم، بينما بقيت المؤسسات الإعلامية الأخرى خارج دائرة الإنصاف وتكافؤ الفرص.
لقد أخفقت الحكومات المتعاقبة في بناء منظومة إعلامية تقوم على العدالة والمساواة، لأن المقاربة المعتمدة انصبت، في كثير من الأحيان، على مراقبة المحتوى الإخباري أكثر من اهتمامها ببناء مؤسسات إعلامية قوية وقادرة على الاستمرار.
وبدلاً من معالجة الأزمات البنيوية التي يعاني منها القطاع، جرى توسيع أدوات الرقابة وإضافة شروط جديدة زادت من تعقيد واقع الإعلام، دون أن تقدم حلولاً حقيقية لمشكلاته الاقتصادية والمهنية.
ومن أبرز مظاهر هذه المقاربة توسع صلاحيات الهيئات الرقابية، وعلى رأسها سلطة تنظيم الإشهار والسلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية "الهابا".
ففي حين بدت الأولى ذات طابع جبائي، أخذت الثانية منحى رقابياً متزايداً تجاوز متابعة المضامين الإعلامية إلى التدخل في التفاصيل الدقيقة للمؤسسات الإعلامية، من شروط الترخيص، والمقرات، والوثائق الإدارية، والمحاسبة، وعقود العمال، ووضعية المستخدمين، مع ربط ذلك بإمكانية الاستفادة من الدعم العمومي المحدود أصلاً.
ولعل هذا التوسع في الاختصاصات هو ما يثير تساؤلات جوهرية حول فلسفة الإصلاح نفسها.
فكيف يمكن فرض معايير إدارية ومالية صارمة على مؤسسات تعاني منذ سنوات من ضعف الموارد وغياب سوق إعلانية حقيقية، بينما لا توفر الدولة البيئة الاقتصادية التي تمكنها من الالتزام بهذه الشروط؟ فالغالبية الساحقة من المؤسسات الإعلامية تعيش أوضاعاً مالية صعبة، ويصعب عليها توفير مقرات مجهزة أو طواقم دائمة أو أنظمة محاسبية متكاملة، وهو واقع تدركه الجهات الوصية جيداً.
ويأتي المسح الجديد الذي أطلقته "الهابا" لإحصاء المؤسسات الإعلامية ليزيد من الجدل حول جدوى هذه الإجراءات.
فبدلاً من أن يكون فرصة لتشخيص واقع القطاع كما هو، يرى كثير من المهنيين أنه تحول إلى سباق شكلي لاستيفاء شروط معقدة، دفعت بعض المؤسسات إلى الاستعانة بمقرات أو تجهيزات مستعارة، فقط لتلبية متطلبات الإحصاء.
وهكذا تصبح البيانات المجمعة بعيدة عن الواقع، بما يفقد العملية قيمتها ويحولها إلى ممارسة شكلية لا تعكس حقيقة القطاع.
كما أثار اشتراط عقود العمل جدلاً واسعاً، إذ يرى منتقدون أن معالجة الحقوق الاجتماعية للصحفيين لا يمكن أن تتم عبر فرض التزامات على مؤسسات عاجزة اقتصادياً، في وقت لم تنجح فيه الدولة نفسها في توفير بيئة اقتصادية وتشريعية تكفل تلك الحقوق بصورة شاملة.
فالحقوق العمالية لا تتحقق بالقرارات الإدارية وحدها، وإنما بإصلاح اقتصادي متكامل يضمن للمؤسسات القدرة على الوفاء بالتزاماتها.
ولم تسلم التنظيمات النقابية من موجة الانتقادات، بعدما تحولت، بحسب كثير من الفاعلين، إلى هياكل شكلية يغيب عنها التمثيل الحقيقي للصحفيين، بينما تتكرر الأسماء نفسها في قوائم عدد من النقابات، في مشهد يطرح علامات استفهام حول جدية العمل النقابي واستقلاليته، ويضعف قدرته على الدفاع عن حقوق العاملين في القطاع.
إن الإصلاح الحقيقي للحقل الإعلامي لا يمكن أن يقوم على سياسة العصا والجزرة، ولا على توسيع سلطات الرقابة، ولا على فرض شروط يصعب تحقيقها في ظل الواقع الاقتصادي الحالي.
كما أن بناء إعلام مهني لا يتحقق عبر زيادة القيود الإدارية، وإنما عبر إرساء قواعد المنافسة العادلة، وضمان الشفافية في توزيع الدعم العمومي، وإصلاح سوق الإشهار، وتمكين المؤسسات الإعلامية من بيئة اقتصادية وقانونية تساعدها على التطور والاستقلال.
إن استمرار السياسات الحالية، دون مراجعة شاملة، لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة وإقصاء المزيد من المؤسسات، وهو ما يتعارض مع التوجيهات السامية الداعية إلى إصلاح وتمهين الحقل الإعلامي.
فالإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تكون العدالة والمساواة أساس السياسات العمومية، وعندما تتحول الهيئات التنظيمية إلى مؤسسات ضامنة للتنافس النزيه، لا إلى أدوات لإعادة إنتاج الاختلالات القائمة.
وإلى أن يتحقق ذلك، سيظل الحديث عن إصلاح الإعلام في موريتانيا أقرب إلى شعار سياسي منه إلى مشروع إصلاحي يلامس واقع القطاع ويستجيب لتطلعات العاملين فيه.
ومهما يكن من أمر فإن مشروع الإصلاح الذي لم تتضح معالمه بعد، لازال يطرح سؤالا لدى العامة حول دوافعه، فهل هو تمهين الإعلام أم إعادة إنتاج الهيمنة؟
مولاي الحسن مولاي عبد القادر



















