حين تفقد المؤسسة التشريعية هيبتها.. قراءة نقدية في تراجع القيم تحت قبة البرلمان

جمعة, 07/17/2026 - 17:32

لم يعد الجدل الدائر تحت قبة البرلمان الموريتاني يقتصر على اختلاف الرؤى السياسية أو تباين المواقف حول مشاريع القوانين، بل تجاوز ذلك إلى أزمة أعمق تتعلق بتراجع المنظومة الأخلاقية والسلوكية التي يفترض أن تحكم عمل ممثلي الشعب.

فما كان يفترض أن يكون فضاءً للحوار المسؤول، وتبادل الحجج، وصناعة التشريعات، تحول في مناسبات عديدة إلى ساحة للصراخ والاتهامات المتبادلة، وإحياء النعرات الضيقة، ومشاهد لا تليق بمؤسسة دستورية تمثل أعلى سلطة تشريعية في البلاد.

إن البرلمان ليس مجرد مبنى يجتمع فيه النواب، وإنما هو عنوان للدولة، وواجهة لثقافتها السياسية، ومدرسة للممارسة الديمقراطية، ولذلك فإن أي انحدار في مستوى الخطاب أو السلوك داخله لا يسيء إلى الأشخاص وحدهم، بل ينعكس على صورة الدولة وهيبة مؤسساتها وثقة المواطنين في العملية الديمقراطية برمتها.

من تمثيل الشعب إلى الصراعات

لقد أصبحت بعض الجلسات البرلمانية أقرب إلى صراعات بين مجموعات محلية أو قبلية منها إلى نقاشات تشريعية رصينة.

وفي أحيان أخرى، تتحول إلى مشادات لفظية تتخللها ألفاظ وعبارات لا تنسجم مع الحد الأدنى من الاحترام الواجب داخل مؤسسة تشريعية، في مشهد يثير الاستغراب داخل مجتمع يعرّف نفسه بأنه محافظ ويستند إلى منظومة دينية وأخلاقية راسخة.

والأخطر من ذلك أن هذه المشاهد لم تعد حالات استثنائية، بل بدأت تتكرر بصورة تكرس ثقافة الفوضى السياسية، حتى أصبح الرأي العام ينتظر من بعض الجلسات مشاهد التراشق أكثر مما ينتظر مناقشة مشاريع القوانين أو مراقبة أداء الحكومة.

أين اختفى الناخب؟

لقد انتخب المواطن نائبه ليكون صوته داخل البرلمان، يدافع عن مصالحه، ويطالب بتحسين الخدمات، ويقترح القوانين التي تعالج مشكلات البطالة والتعليم والصحة والبنية التحتية والعدالة الاجتماعية.

لكن جزءاً من المشهد البرلماني بات يوحي بأن أولويات بعض النواب لم تعد مرتبطة بالناخب، وإنما بالصراعات الشخصية، والاستقطابات الضيقة، والمزايدات الإعلامية.

لقد أصبح المواطن يشاهد جلسات طويلة تُستهلك فيها ساعات من الوقت في سجالات لا تضيف شيئاً إلى العمل التشريعي، بينما تبقى الملفات الحقيقية التي تمس حياته اليومية مؤجلة أو غائبة عن النقاش الجاد.

وهذا الانفصال بين النائب وقاعدته الانتخابية يمثل أحد أخطر مظاهر الأزمة، لأنه يفرغ التمثيل الشعبي من مضمونه الحقيقي.

البرلمان ليس ملاذاً للباحثين عن النفوذ

ومن أكثر القضايا التي تستحق النقاش أن عضوية البرلمان أصبحت بالنسبة للبعض وسيلة لتحقيق مكاسب شخصية أكثر منها تكليفاً وطنياً.

فهناك انطباع متزايد لدى قطاعات واسعة من الرأي العام بأن المنافسة على المقاعد البرلمانية لم تعد دائماً قائمة على الكفاءة والبرنامج السياسي، بل أصبحت في بعض الحالات ميداناً لتجار النفوذ والصفقات، وأصحاب المصالح الاقتصادية، ومن يبحثون عن الحصانة أو توسيع شبكات العلاقات أو حماية مصالحهم الخاصة.

كما أن استمرار هيمنة الاعتبارات القبلية والعائلية والمالية على بعض الاستحقاقات الانتخابية يضعف فرص الكفاءات الوطنية، ويجعل الوصول إلى البرلمان مرتبطاً أحياناً بعوامل لا علاقة لها بالقدرة على التشريع أو الرقابة أو تمثيل المواطنين.

هل تحتاج شروط الترشح إلى مراجعة؟

ولعل هذه الممارسات قد أعادت فتح نقاش قديم حول معايير الترشح لعضوية البرلمان، حيث يرى مراقبون، أن المسؤولية التشريعية تتطلب حداً أدنى من التأهيل العلمي والثقافي، يسمح للنائب بفهم النصوص القانونية، ومناقشة مشاريع القوانين، واستيعاب القضايا الاقتصادية والدستورية والإدارية المعقدة.

ولا يتعلق الأمر بالتمييز بين المواطنين، وإنما بضمان امتلاك من يتولى التشريع الأدوات الأساسية التي تمكنه من أداء وظيفته بكفاءة.

فكما تشترط بعض الوظائف العامة مؤهلات معينة، فإن من المنطقي أن يخضع من يسن القوانين ويحاسب الحكومة لمعايير تضمن الحد الأدنى من الكفاءة العلمية والفكرية.

الحاجة إلى ثقافة برلمانية

وحتى مع توفر المؤهلات العلمية، تبقى الحاجة قائمة إلى تكوين متخصص ومستمر للسادة النواب في مجالات التشريع، والرقابة، وأخلاقيات العمل البرلماني، وإدارة الحوار، واحترام النظام الداخلي، والعلاقة مع الناخبين ووسائل الإعلام.

فالبرلمان ليس مكاناً لاستعراض القوة أو تصفية الحسابات، وإنما مؤسسة تقوم على الإقناع بالحجة، واحترام الرأي المخالف، والالتزام بقواعد النقاش الديمقراطي.

وتجارب البرلمانات العريقة تؤكد أن قوة المؤسسة لا تقاس بارتفاع الأصوات، وإنما بجودة الأفكار، ودقة التشريعات، وفعالية الرقابة.

أزمة قيم 

إن ما يحدث داخل البرلمان لا يمكن فصله عن أزمة أوسع تمس الثقافة السياسية برمتها. فعندما تتراجع قيمة الحوار، ويُستبدل النقاش الموضوعي بالإساءة الشخصية، وتُستحضر النعرات الضيقة بدل البرامج الوطنية، فإن ذلك يعكس خللاً في منظومة القيم التي ينبغي أن تؤسس للعمل العام.

ولا يمكن بناء دولة المؤسسات إذا أصبحت المؤسسة التي يفترض أن تكون نموذجاً للانضباط واحترام القانون عاجزة عن تقديم صورة تليق بالمسؤولية الملقاة على عاتقها.

إصلاح يبدأ من صندوق الاقتراع

إن إصلاح المؤسسة التشريعية لا يتحقق فقط بتعديل القوانين، وإنما يبدأ أيضاً من وعي الناخب نفسه.

فالمواطن الذي يمنح صوته لمن يملك المال أو النفوذ أو الانتماء القبلي، متجاهلاً الكفاءة والنزاهة والبرنامج، يساهم، ولو بصورة غير مباشرة، في إنتاج المشهد الذي ينتقده لاحقاً.

كما تتحمل الأحزاب السياسية مسؤولية كبيرة في انتقاء مرشحيها وفق معايير الكفاءة والأخلاق والخبرة، لا وفق اعتبارات الولاء أو القدرة المالية أو الحسابات الضيقة.

ومهما يكن من أمر، يبقى البرلمان قلب الحياة الديمقراطية، وإذا فقد هيبته فقدت الديمقراطية جزءاً كبيراً من معناها.

ولذلك فإن استعادة مكانة المؤسسة التشريعية تستوجب مراجعة جادة لمنظومة الترشح، وتعزيز التكوين البرلماني، وتطبيق مدونات السلوك، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والأهم من ذلك ترسيخ ثقافة سياسية تجعل النائب خادماً للمصلحة العامة لا باحثاً عن الامتيازات.

إن الناخب الموريتاني لا يحتاج إلى نائب يجيد الصراخ وإثارة الفوضى، بل إلى ممثل يمتلك الكفاءة والنزاهة، يحترم خصومه، ويصون هيبة البرلمان، ويجعل من قبة المؤسسة التشريعية منبراً للعقل والحوار والتشريع، لا ساحةً للتجاذبات والمهاترات التي تسيء إلى الدولة قبل أن تسيء إلى أصحابها، وذلك حين تفقد المؤسسة التشريعية هيبتها.

مولاي الحسن مولاي عبد القادر