
لم تعد القروض المصرفية بالنسبة إلى شريحة واسعة من العمال والموظفين وسيلة لتمويل المشاريع أو مواجهة الطوارئ، بل تحولت إلى قيد طويل الأمد يلتف حول الراتب ويستنزف جزءًا كبيرًا منه لسنوات.
المشكلة ليست في الاقتراض، وإنما في غياب رقابة صارمة وشفافة على الكلفة الحقيقية للقروض وهوامش الربح والرسوم والعمولات التي يتحملها المواطن محدود الدخل.
فالعامل يدخل البنك وهو في موقع تفاوضي ضعيف، يحمل حاجته وراتبه المحدود، بينما تواجهه مؤسسة مالية تملك الخبرة والعقود والأدوات القانونية.
وفي بلد تتآكل فيه القدرة الشرائية بفعل غلاء المعيشة وتدني الأجور وتزايد الأعباء، يصبح القرض بالنسبة إلى العامل والموظف حبل نجاة قد يتحول سريعًا إلى حبل يخنق راتبه.
والسؤال الذي يفرض نفسه على الجهات الرقابية:
كم يدفع العامل فعليًا مقابل المبلغ الذي اقترضه، بعد احتساب الفوائد والرسوم والتأمينات والعمولات وغرامات التأخير؟، وهو ما قد يتجاوز 100% من القرض، حسب المعلومات المتداولة بين زبناء المصارف.
إن الاكتفاء بالإعلان عن نسبة فائدة اسمية لا يكفي، ما لم يعرف المواطن الكلفة الإجمالية الفعلية للقرض والمبلغ الذي سيدفعه حتى آخر قسط.
وتزداد خطورة الوضع عندما تستنزف الأقساط جزءًا كبيرًا من الراتب، فتدفع الأسرة إلى تقليص نفقات الغذاء والتعليم والصحة والسكن، وربما إلى الاقتراض من جديد لسد العجز.
وهنا لا تعود القضية علاقة تجارية عادية بين مصرف وزبون، بل تصبح قضية حماية للمستهلك وعدالة اجتماعية ومسؤولية مؤسسات الدولة عن منع اختلال ميزان القوة.
إن البنك المركزي مطالب بأن يجعل الرقابة على القروض الاستهلاكية أكثر وضوحًا، وأن ينشر مؤشرات دورية حول كلفة التمويل والاقتطاعات والشكاوى والمخالفات المثبتة.
كما ينبغي أن تكون هناك قواعد واضحة تمنع أي عرض مصرفي من إبراز رقم جذاب وإخفاء الكلفة الحقيقية خلف عشرات البنود والرسوم والشروط المعقدة.
ولا يتعلق الأمر بمنع المصارف من تحقيق الأرباح، فحقها في الربح مشروع، لكن الربح المشروع لا ينبغي أن يتحول إلى استنزاف ممنهج لرواتب الطبقة العاملة.
إن الحديث عن شمول مالي حقيقي يفقد معناه إذا كان دخول الموظف إلى النظام المصرفي يعني دخوله في دوامة ديون واقتطاعات لا تنتهي.
فالعامل لا يطلب من المصرف صدقة، وإنما يطلب عقدًا عادلًا وشروطًا واضحة تحميه من الغموض وتمنحه القدرة على معرفة التكلفة الحقيقية لقراره المالي.
وإذا كانت هناك حالات مثبتة تتجاوز فيها تكلفة التمويل حدودًا غير معقولة، فإن المطلوب تحقيق رقابي مستقل، ومراجعة العقود، ونشر البيانات، ومساءلة كل من تثبت مخالفته للقواعد.
فالراتب ليس مجرد رقم في ملف ائتماني، بل هو قوت أسرة ومستقبل أطفال؛ ومن غير المقبول أن يتحول القرض الذي يفترض أن يساعد العامل إلى حكم مؤجل على راتبه واستقرار أسرته المعرضة للتفكك، حين يتحول الراتب إلى رهينة للديون..!.
مولاي الحسن مولاي عبد القادر



















