حين يتحول التدوين إلى تجارة بالأعراض والقيم..!

أربعاء, 09/30/2026 - 19:37

لم يعد التدوين على مواقع التواصل الاجتماعي، بالنسبة إلى بعض ممارسيه، مجرد وسيلة للتعبير عن الرأي أو نقل المعلومة أو الدفاع عن قضايا المجتمع، بل تحول إلى مهنة قائمة بذاتها، تُقاس أرباحها بعدد المتابعين والمشاهدات والتفاعلات، مهما كانت الوسيلة المستخدمة للوصول إليها.
وفي هذا السياق، بدأت تظهر ممارسات تثير القلق، بعدما أصبح المدح والهجاء والتشهير والابتزاز وإثارة الفضائح أدوات لجذب الجمهور وتحقيق المكاسب. فكلما كان المحتوى أكثر صدمة وإثارة للجدل، ارتفعت فرص الانتشار، وتحول بعض أصحاب الصفحات إلى مطاردين دائمين للترند، ولو كان ثمن ذلك انتهاك الخصوصيات والمس بكرامة الأشخاص والإساءة إلى سمعة الأسر.
ولا يبدو أن بعض المدونين يتوقفون كثيراً عند الحدود الأخلاقية عندما يتعلق الأمر بزيادة المتابعين أو تحقيق العائد المالي. فقد وصل الأمر، في بعض الحالات، إلى استغلال العلاقات بين الرجال والنساء وتحويلها إلى مادة للعرض والتشهير والإثارة، بل وإنتاج محتويات تتضمن دعوات أو إيحاءات تمس القيم الدينية والأخلاقية للمجتمع.
ولعل الأخطر من ذلك، أن بعض الصفحات باتت تتعامل مع الحياة الخاصة للأفراد وكأنها سلعة متاحة للجمهور، فتستدرج الأشخاص إلى الظهور، أو تجمع بين شباب وفتيات أمام آلاف المتابعين، في محتويات تبحث أساساً عن المشاهدة والإثارة، دون اكتراث كافٍ بما يمكن أن تتركه من آثار على القيم الاجتماعية، وعلى وعي الأجيال الشابة.
غير أن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن التدوين ليس شراً في ذاته، وأن عدداً من المدونين يقومون بأدوار إيجابية ومهمة في المجتمع، من خلال كشف مظاهر الفساد، وتسليط الضوء على الاختلالات الإدارية، والدفاع عن قضايا المواطنين، ونقل ما قد لا تصل إليه وسائل الإعلام التقليدية. وقد أصبح بعضهم صوتاً لقضايا عامة ومصدراً للمعلومات والنقاش المجتمعي.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الدور من ممارسة للحق في التعبير إلى تجارة مفتوحة بكل شيء: تجارة بالمعلومات، وتجارة بالسمعة، وتجارة بالخلافات العائلية، وتجارة بأعراض الناس، وتجارة بالإثارة.
فليس من حرية التعبير أن تُنتهك خصوصية إنسان، وليس من حق صاحب صفحة أن يحول حياة الناس الخاصة إلى مادة للفرجة، كما أن زيادة عدد المشاهدات لا تمنح أحداً ترخيصاً للإساءة إلى الآخرين أو التحريض على الفجور أو التطاول على المقدسات أو نشر خطاب يهدد السلم الاجتماعي.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يصبح المجتمع أمام جيل من صناع المحتوى لا يبحثون عن الحقيقة بقدر ما يبحثون عن المشاهدة، ولا يدافعون عن المصلحة العامة بقدر ما يطاردون الأرباح، ولا يهمهم أثر الكلمة بقدر ما يهمهم عدد الإعجابات.
ومن هنا تبرز مسؤولية السلطات والمؤسسات المختصة في وضع حد للفوضى الرقمية، ليس عبر خنق حرية التعبير أو ملاحقة أصحاب الآراء المخالفة، وإنما من خلال تطبيق القانون على الجميع، وحماية الخصوصية والكرامة، وتجريم الابتزاز والتشهير والتحريض على الجريمة وانتهاك الأعراض، ومواجهة المحتويات التي تتجاوز الحدود القانونية والأخلاقية.
كما تقع مسؤولية كبيرة على المجتمع نفسه، وعلى الأسر والمدارس والمؤسسات الدينية والإعلامية، في بناء وعي رقمي يحترم خصوصية المجتمع البدوي المحافظ، ويجعل المستخدم قادراً على التمييز بين النقد المسؤول والمحتوى الهابط، وبين كشف الفساد وتحويل فضائح الناس إلى وسيلة للربح.
إن مواقع التواصل الاجتماعي يمكن أن تكون فضاءً للمعرفة والرقابة المجتمعية وحرية التعبير، لكنها يمكن أيضاً أن تتحول إلى سوق للفوضى الأخلاقية إذا غابت المسؤولية.
ولذلك، فإن المطلوب ليس إسكات المدونين، وإنما إسكات الابتزاز والتشهير والمتاجرة بأعراض الناس، وليس تقييد حرية الرأي، وإنما وضع حد لاستغلال هذه الحرية في الإضرار بالآخرين.
ومهما يكن من أمر، فإن حرية التعبير مسؤولية قبل أن تكون امتيازاً، ومن لا يدرك هذه الحقيقة قد يتحول، دون أن يشعر، من مدون إلى لسان سوء، ومن صانع محتوى إلى صانع ضرر، وذلك حين يتحول التدوين إلى تجارة بالأعراض والقيم..!.
مولاي الحسن مولاي عبد القادر